ألشّويلية والشويليون اشتقاقات من الاسم شُويل. وشويل هذا كما يروى...! كان في مجلس رسول الله (صلعم)..!!عندما ذكر الرسول ان المسلمين سيفتحون الحيرة آجلا، فطلب شويل ان يعطيه الفاتحون كرامة بنت عبد المسيح التي يبدو انه رآها ومال اليها. ويقال ان الرسول وعده بذلك..!! ولما تمكن خالد بن الوليد من فتحها وكان شويل في الفتح محاطا بشهود شهدوا له امام خالد بوعد الرسول..! عندئذ اصر خالد على تسليمها فعارض اهلها. الا ان كرامة وقفت وقالت: هوّنوا عليكم فسأفتدي نفسي. فتسلمها شويل وكانت قد اصبحت عجوزا لم تثر فيه لهفة، بعد ان كانت غادة تمتلك الجمال والفتنة، فزهد فيها. ولما عرضت عليه الف درهم ليعتقها قبل العرض حالا واطلقها بعد ان اخذ الألف. فقال له صحبه: لو طلبت اكثر من هذا لاجابتك فقال: والله ما كنت اظن ان هناك عددا اكثر من الف...!
وانا لست بصدد موثوقية الحادثة والتي ربما تكون مختلقة، وانما ابراز نشازها وقبح دلالتها. فهي وان كانت لا تستقيم ابدا وجلال النبوة، ولا مع مسلكيات الشيخين الراشدين الاول والثاني وحزمهما والتزامهما الاستثنائي بروح الدعوة. فقد نتفق تماما وطبيعة الاحتلال في كل زمان ومكان وتحت اية شعارات ومسميات. ولا يغير الحقيقة في شيء الادعاء بان الفتح آنذاك جاء لتحرير العباد من عسف الحكم الجائر. في حين ان جنود الفتح يغرقون بالغنائم وشهوة الاستقواء ويغفلون اهداف الرسالة. فهنا ايضا ابتلعت فلسطين تحت شعار تحرير ارض الآباء والاجداد مرفقا بتهجير واقتلاع واقتطاع وخنق وحواجز واغتيالات. وهكذا رفع الجيش الاحمر اثناء اجتياحه لدول شرق اوروبا شعارات التحرير والانقاذ ونشر المبادئ والقيم الاشتراكية لكن الواقع كان الحاقا واغتصابا. وكذلك جاء غزو العراق رافعا شعار الحرية والدمقراطية بينما الحقيقة نهب وتدمير وربما الالغاء النهائي لدولة كانت قلعة الرشيد والمأمون.
ولعلني لا اكون مثقلا اذا ما تطرقت الى بعض المواقف النموذجية التي اتخذها الشيخان ازاء بعض القضايا، وروعة التوجيهات، وحسن الاداء في التطبيق، وحزم القرارات والحلول، سيما ونحن نعيش حقبة طغت فيها انماط النفاق والانفلات والانتهازية والابتزاز والتسلق.
فلقد اوصى ابو بكر جيش اسامة بن زيد قائلا: "لا تخونوا ولا تغلّوا ولا تمثّلوا ولا تقتلوا طفلا صغيرا ولا شيخا كبيرا ولا امرأة ولا تعقروا نخلا ولا تحرقوه ولا تقطعوا شجرة مثمرة ولا تذبحوا شاة ولا بقرة ولا بعيرا الا لمأكله وسوف تمرون باقوام قد فرغوا انفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا انفسهم له". افلا يتجسد في هذا ما هو ارقى من شرف السلاح..؟؟
وفي موقف آخر اكثر روعة اوصى فاطمة وهو ينازع الموت قائلا: اذا انا متّ فليرد للمسلمين صحفتهم ولقحتهم وعبدهم ورحاهم ووتارة اتقيت بها اذى البرد واخرى اذى الارض كان حشوهما من الليف – فهل كان هذا الشيخ سيغفر لشويل ويقول له اذهب فانت طليق؟ فاذا كانت قضية كهذه ستلقى حساب ابي بكر فكيف سيتعامل معها شيخنا الثاني بحزمه وتشدّده ومتابعاته الصارمة في تطبيق العدل واحقاق الحق والانصاف بدءا بنفسه ومقربيه؟ فهو الذي ارسل مندوبه محمد بن مسلمة ليحرق بابا اقامه سعد بن ابي وقاص لبيته – لانه كان يكره ان يكون بين الموالي ورعيته بابا يحتجب وراءه. وهو الذي فرض القراض على ولديه، وامر بردّ هدية كانت ارسلتها ملكة الروم الى زوجته ام كلثوم الى بيت المال.. وقال متبرما مهموما وهو يرى الغنائم والاموال تتكدس في بيت المال، وافواج الوالي تتدفق على المدينة وتسد طرقاتها: والله ما جعل الله هذا في امة الا والقى باسهابها... وكم تمنى لو تشاهق بينه وبلاد الفرس سد يوقف هذا الانزلاق الى المجهول.
ولعل شيخنا كان يرى ان الدولة وصلت الى مرحلة الجمل البازل كما قال والتي لا يكون بعدها الا الوهن والترهل وفساد العقيدة فيزداد قلقا على ما ستؤول اليه الامور. فهل كان شويل سيفلت من محاسبته..؟ وهل كان سينعم بالالف درهم..؟؟
لقد اثارتني قصة شويل وما تحمله من انتهازية وانبطاح وانفلاخ مشين امام اغراءات المال، ونبهتني الى ظاهرة الشويليين التي تعصف بمجتمعنا وتنخر في ثناياه على شتى اطيافه ومؤسساته السياسية والادارية والاجتماعية والدينية حتى اصبحت عبئا يرهق قضيتنا المحورية ويحرفها عن مسارها ويزج بها وبنا في متاهات هامشية لم تكن يوما في موروثنا البعيد ولا القريب. وما يزيدنا احباطا ان قياداتنا ومرجعياتنا السياسية والروحية تغط في وهمها وتتستر وراء قميص قصورات السلطة، وتبريرات واهية وكأني بها تجسد شويلا. والا كيف نفسر هذا التسيّب في شوارعنا، والانفلات في مدارسنا والطوش في ملاعبنا والقتل اليومي تحت مسميات تجاوزت المنطق والمعقول.
افليس من واجب ما تبقى من قيادات ما زالت منتصبة القامة ان تتنادى وتتدارس هذا الانهيار وتقول كلمة حق عمرية كانت ام موراليسية وتضع آلية لكبح هذا التدهور المتسارع نحو الفلتان الرهيب، وتردع اسراب الغربان من الشويليين المارقين الذين ينشطون ليل نهار في سبيل تكريس شرذمتنا طائفيا من خلال خطابها وفحيحها المسموم، حتى استحلنا الى تجمعات يمتطيها الضياع ويشوه هويتها ويعبث بانتمائها!! فعندئذ فقط يصبح الحجيج الى دمشق وبيروت بذريعة التواصل مع العمق العربي امرا مصفوحا..
(كفر ياسيف)
*سليمان سليم مرقس
الخميس 2/3/2006